محمد غازي عرابي
878
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
بين الأبراج والناس ، والبرج مجموعة كواكب تتخذ شكلا معينا ، كما يقال برج الحمل وبرج القوس وبرج العذراء ، وكشف العلماء عن صلة الأبراج بحياة الناس بحيث أن من يولد في زمان برج معين يحمل صفات معينة وطبعا وميولا وجسما مميزا ، بل إن علم الأبراج لينبئ بما سيقع في المستقبل وفي كل يوم . ولقد قام عالم منذ عدة سنوات بدراسة لتقصي مدى صحة علم الأبراج ، فجعل يسأل الناس عن تاريخ ميلادهم وعن مزاجهم وعملهم وطبيعتهم وأجسامهم ونشاطهم ، فلما قارن بين دراسته وما يقوله علم الأبراج وجد تطابقا عجيبا تاما بينهما فهل علم الأبراج صحيح ؟ وما مدى صحته يا ترى ؟ لنتذكر الصوفية الذين يمثلون الوجود بدائرة مركزها الروح ، ومحيطها النفوس الجزئية ، وبين المركز والمحيط أشعة منبثة تمثل دائرة الجبروت التي سميناها القبضة ، فالنجوم التي تتخذ أشكالا معينة ، والتي تشكل كل مجموعة منها برجا ، هي زوايا هذه الدائرة التي رأسها المركز ، ومجموع الأبراج هو مجموعة درجات الدائرة الثلاثمائمة والستين درجة ، فإذا جمعنا الأبراج إلى بعضها بعضا ، وإذا جعلنا مركز الدائرة الرأس الجامع للزوايا خرجنا بنتيجة معقولة تمثل ما قلناه سابقا عن العقل الكلي الروحي الفعال ، وعن العقول الجزئية النفسية المنفعلة الممثلة بالناس أجمعين . فالحفظ الذي تتحدث عنه الآية هو حفظ إلهي إذن ، ومن أسمائه تعالى الحافظ ، وسميت النفس الكلية اللوح المحفوظ ، فالشيطنة ، وفعل الشيطان وسوسة ، ممنوعة من ممارسة دورها إلا بإذن إلهي ، فإن هي خرجت على الإذن دب الفساد في الوجود وشاعت الفوضى ، وكنا تحدثنا عن دور الوسوسة بالذات التي ينتبه بها الإنسان من عقله ، والتي يكتوي بنارها القلب فتنصهر شوائبه فينجلي ، ويصبح من ثم مرآة صالحة لاستقبال الأنوار ، فالوسوسة ذات الطابع السلبي ، هي ذات جوهر إيجابي مستور ، ولهذا كان ظاهر الوسوسة شرا وباطنها خيرا ، وعلى هذا تكون الوسوسة قد أدرجت في نطاق دائرة الجبروت ما دام لها ذلك الدور المعين ، وإذا دائرة الجبروت مستمرة في أداء نشاطها لإخراج مضامين الأسماء بالخير والشر . وتقول الآية الثامنة إن الشياطين يقذفون من كل جانب ، والقذف يتم بواسطة زوايا أبراج الكواكب نفسها ، فإذا كان لبرج العقرب صفات معينة فهذه الصفات هي الحاكمة ، والشيطان الموسوس لا يوسوس إلا في نفس مستعدة لاستقبال إرساله ، وإلا فوسوسته غير ذات تأثير ، وهي صيحة في واد ، فإذا وسوس الشيطان وسوس بالإذن ، وانطلاقا من الزواية المحددة للبرج ، فإن كان للبرج طبع ناري وافقت النار نار الوسوسة ، وإن كان للبرج طبع نوراني ناقض النور نار الوسوسة ، فحدث من ثم انشقاق في القلب ، وعانى الإنسان من الصراع النفسي